البث المباشر | إتصل بنا

بـسـم الله الـرحـمـن الـرحـيـم

 

الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ عبد الحميد الرفاعي الجهني | الـمـــــقـــــــــالات >> رد الأغلاط في الفهم والاستنباط لحديث "اجعل لنا ذات أنواط "

عرض المادة :رد الأغلاط في الفهم والاستنباط لحديث "اجعل لنا ذات أنواط "

   

الـمـــــقـــــــــالات

اسم المادة : رد الأغلاط في الفهم والاستنباط لحديث "اجعل لنا ذات أنواط "

بسم الله الرحمن الرحيم

رد الأغلاط في الفهم والاستنباط لحديث "اجعل لنا ذات أنواط "

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه

أما بعد:

فسوف أتكلم بعون الله تعالى في هذا المقال عن مسألة الاحتجاج بحديث " ذات أنواط " على عذر الواقع في الشرك الأكبر بالجهل، وكذلك الحديث الذي ورد فيه أن بعض الصحابة رضي الله عنهم أراد السجود لرسول الله صلى الله عليه وسلم تعظيما له فنهاه النبي صلى الله عليه وسلم. وسوف يكون كلامي مقتصرا عن دلالة هذه الأحاديث على مسألة عذر المشرك بالجهل، دون الدخول في صلب المسألة نفسها، فقد تكلمت عنها بإسهاب في مواضع أخرى

فأقول وبالله التوفيق: لا خلاف أن الجهل ليس عذرا في كل الأحوال، فمن شرب الخمر أو زنى أو أكل الربا أو سرق وهو يعيش بين المسلمين ثم ادعى الجهل بالتحريم لم يقبل عذره بالاتفاق. وعليه فالأحاديث المذكورة ليست حجة في العذر بالجهل على وجه الإطلاق، بل في الصورة المذكورة في الحديثين، وما يماثلها من الصور، وتحريرها على النحو التالي: شخص أو أشخاص ظنوا إباحة شيء من المحرم الممنوع القادح في التوحيد كالتبرك بالشجر أو السجود لمخلوق فسألوا فقيل لهم هذا محرم فانتهوا عن الفعل ورجعوا إلى الحق، ففي هذه الحال لا يؤاخذون شرعا على قصدهم أو ظنهم أو اعتقادهم الأول، طالما أنهم انتهوا ولم يفعلوا، ولو كانوا مؤاخذين في هذه الحال لكان ذلك من تكليف ما لا يطاق، وهذا شيء لا تأتي به الشريعة الإسلامية، فإن حديث العهد بالإسلام – كالذين قالوا اجعل لنا ذات أنواط – لابد أن يخفى عليه شيء من أمور الشريعة ومنهياتها، فيَهِمّ بالشيء المحرم أو يستأذن في فعله ظاناً جوازه، فمن سماحة الإسلام ويسر الشريعة أنه لا يؤاخذ إذا انتهى عن قصده. كما لو أسلم بعض النصارى فأراد أن يحتفل بعيدهم فسأل فقيل له هذا لا يجوز فانتهى عن ذلك، فلا يؤاخذ بإرادته وقصده الاحتفال، وكما لو تاب أحد عُباد القبور من عبادة غير الله لكنه بقي يجهل بعض أحكام التوحيد فظن أن التبرك بقبور الصالحين مشروع فسأل قبل أن يفعل فقيل له لا يجوز فانتهى عن ذلك فليس مؤاخذا على ظنه أو اعتقاده الأول

فهذه هي الصورة التي دل عليها الحديث، ويمكن تلخيصها في ثلاث نقاط
أحدها: اعتقاد الباطل جهلا.
والثانية: السؤال.
والثالثة: الترك والانتهاء.
 
فمن التمسكات الضعيفة – كما يعبر بعض الأصوليين - الاحتجاج بهذه الأحاديث على عذر المشرك الواقع في الشرك بالنظر إلى النقطة الأولى فقط التي هي اعتقاد الباطل جهلا، وفصلها عن باقي النقاط، وهذا قصور شديد في الاستدلال، لأن الحديث فيه صورة مركبة من هذه النقاط الثلاث، فيجب على من استدل به أن يأخذ بها جميعا، حتى يطابق الدليل المدلول

أما أن يقال هؤلاء اعتقدوا الباطل... إذن كل من اعتقد الباطل أو فعله يكون معذوراً! ثم تُترك بقية القصة في كونهم سألوا فلما علموا التحريم تركوا ولم يفعلوا، فالذي يفعل هذا الاجتزاء من الدليل يقع في شناعة – شعر بها أم لم يشعر - حيث يجعل حال هؤلاء الصحابة الأطهار الأبرار الذي رجعوا لما بين لهم النبي المختار صلى الله عليه وسلم، كحال عباد القبور الغارقين في وحل الشرك والخرافة، ثم يزعم أن هؤلاء يعذرون كما عذر النبي صلى الله عليه وسلم أولئك الصحابة رضي الله عنهم، فما أعظم الفرق بين الحالين والصورتين!

فإن قال قائل من هؤلاء العاذرين: نحن تكفينا النقطة الأولى الواردة في الأحاديث وهي نقطة الجهل فنستدل بها على عذر الجاهل في الشرك الأكبر؟ 
قيل له – من باب بيان تهافت هذا الاستدلال -: فهل يمكنك أن تعذر الشخص الجاهل الذي يصلي ويصوم وهو في الوقت نفسه يعتقد أن القادياني – المتنبي الهندي المشهور - نبي من الأنبياء؟ 
فإن قال – ولابد -: لا أعذره، بل هو عندي كافر.
قيل له: كيف لا تعذره بالجهل وقد عذر النبي صلى الله عليه وسلم من قال " اجعل لنا ذات أنواط "؟ أو من أراد السجود له؟ 
فما أجاب به عن هذا الإيراد هو جوابنا عليه في احتجاجه بهذا الحديث في عذر عابد القبر.

ولقد انتبه العلماء المحققون لما في الاستدلال بحديث ذات أنواط على عذر المشرك بالجهل من القصور، فقالوا كلمة تزيل الاشتباه الذي قد يحصل عند بعض طلاب العلم، إذ قال أهل العلم عن حديث ذات أنواط: إنهم لم يفعلوا أي التبرك الذي طلبوه، ولو فعلوا لكفروا.

فهذا الكلام يفهمه على وجهه من فهم ما قلته آنفاً أن حديث "ذات أنواط" فيه صورة مركبة من ثلاث نقاط: اعتقاد الشيء المحرم، ثم السؤال عنه، أو الاستئذان فيه، ثم الترك والانتهاء بعد العلم بالتحريم. فهذه الصورة يُعذر صاحبها لكنه لو فعل بعد العلم بالتحريم كفر. وهذه نقطة رابعة ليست في الحديث لأن الصحابة رضي الله عنهم لم يفعلوا. فالعلماء رتبوا الحكم بالتكفير على نقطة رابعة ليست في الحديث، وهذه النقطة الرابعة وهي الفعل للكفر أو الشرك هي نقطة المخالفة بين حال القائلين "اجعل لنا ذات أنواط" وحال القبوريين، فإن القبوري واقع في الشرك بخلاف الصحابة رضي الله عنهم الذين نزههم الله عن الوقوع في الشرك. فتأمل هذا الفرق الذي خفي على كثير من الناس.

ودونك يا طالب الحق كلام أهل العلم حول شبهة الاحتجاج بحديث ذات أنواط في عذر المشرك بالجهل، ولكن قبل ذلك أسوق الحديث بإسناده.

قال الإمام الحافظ الحجة أبو بكر الحُميدي في " مسنده ": ثنا سُفْيَانُ, قَالَ: ثنا الزُّهْرِيُّ، عَنْ سِنَانِ بْنِ أَبِي سِنَانٍ، عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا خَرَجَ إِلَى حُنَيْنٍ مَرَّ بِشَجَرَةٍ يُقَالُ لَهَا ذَاتُ أَنْوَاطٍ، يُعَلِّقُ الْمُشْرِكُونَ عَلَيْهَا أَسْلِحَتَهُمْ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا لَهُمْ ذَاتُ أَنْوَاطٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " اللَّهُ أَكْبَرُ، هَذَا كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ ( اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ ) ، لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ " إسناده صحيح.

قال الشيخ العلامة سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في كتابه " تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد" إذ أورد الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله هذا الحديث في باب: من تبرك بشجرة أو حجر ونحوهما. وأشار إشارة خفية – كعادته في معظم مسائله - إلى كونهم لم يقعوا في الكفر بمجرد طلبهم، حيث قال في المسائل: الثالثة: كونهم لم يفعلوا. أي لو فعلوا لعادوا إلى الكفر، وقد فهم هذا وأفصح عنه حفيده الشارح الشيخ سليمان فقال: وفيه (أي في الحديث) أن من أراد أن يفعل الشرك جهلاً فنهي عن ذلك فانتهى لا يكفر. اهـ

وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في كتابه " كشف الشبهات": لكن للمشركين شبهة يدلون بها عند هذه القصة، وهي أنهم يقولون: إن بني إسرائيل لم يكفروا، وكذلك الذين قالوا اجعل لنا ذات أنواط لم يكفروا. فالجواب أن نقول: إن بني إسرائيل لم يفعلوا ذلك، وكذلك الذين سألوا النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعلوا ذلك، ولا خلاف أن بني إسرائيل لو فعلوا ذلك لكفروا. وكذلك لا خلاف في أن الذين نهاهم النبي صلى الله عليه وسلم لو لم يطيعوه واتخذوا ذات أنواط بعد نهيه لكفروا، وهذا هو المطلوب، ولكن هذه القصة تفيد أن المسلم بل العالم قد يقع في أنواع من الشرك لا يدري عنها فتفيد التعلم والتحرز، ومعرفة أن قول الجاهل: التوحيد فهمناه. أن هذا من أكبر الجهل ومكائد الشيطان. وتفيد أيضا أن المسلم المجتهد إذا تكلم بكلام كفر وهو لا يدري فنبه على ذلك فتاب من ساعته أنه لا يكفر كما فعل بنو إسرائيل، والذين سألوا النبي صلى الله عليه وسلم. تفيد أيضا أنه لو لم يكفر فإنه يغلظ عليه الكلام تغليظا شديدا كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم. اهـ

قلت: ينبغي أن يتأمل طالب العلم هنا تأملا طويلا فأن هذه الشبهة التي أجاب عنها الشيخ هنا وعزاها إلى المشركين هي نفسها التي يرددها اليوم بعض من ينتسب إلى السنة ومذهب السلف! وليس لهم سلف في هذه الشبهة إلا المشركين!

وقال الشيخ العلامة عبد الله بن عبد الرحمن أبابُطين رحمه الله – في ضمن فتوى له: -  وأما من تكلم بكلمة كفر لا يعلم أنها كفر، يُعرَّف بذلك، فإن رجع فإنه لا يحكم بكفره كالذين قالوا: " اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط " (الرسائل والمسائل النجدية – الجزء الرابع – القسم الأول)

وقال الشيخ العلامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله – في تقرير له حول حديث ذات أنواط: - لا يصل إلى الكفر إذا كان على سبيل الاستفتاء أَو الجهل كقصة أَصحاب موسى وأَصحاب محمد، حسبوه قربة. انتهى (الفتاوى – المجلد الأول)

وقال الشيخ العلامة محمد حامد الفقي في تعليقه على " فتح المجيد ": إنما لم يكفروا بطلبهم؛ لأنهم حدثاء عهد بالإسلام; ولأنهم لم يفعلوا ما طلبوه ولم يقدموا عليه بل سألوا النبي صلى الله عليه وسلم. اهـ

وسئلت اللجنة الدائمة للإفتاء عن مسألة عذر المشرك بالجهل والاستدلال عليه بحديث ذات أنواط، فأجابت: لا يعذر المكلف بعبادته غير الله أو تقربه بالذبائح لغير الله أو نذره لغير الله ونحو ذلك من العبادات التي هي من اختصاص الله إلا إذا كان في بلاد غير إسلامية ولم تبلغه الدعوة؛ فيعذر لعدم البلاغ لا لمجرد الجهل، لما رواه مسلم عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار" فلم يعذر النبي صلى الله عليه وسلم من سمع به، ومن يعيش في بلاد إسلامية قد سمع بالرسول صلى الله عليه وسلم فلا يعذر في أصول الإيمان بجهله.  أما من طلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم ذات أنواط يعلقون بها أسلحتهم، فهؤلاء كانوا حديثي عهد بكفر، وقد طلبوا فقط ولم يفعلوا؛ فكان ما حصل منهم مخالفا للشرع، وقد أنكره عليهم النبي صلى الله عليه وسلم فلم يفعلوه. وبالله التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.

اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء: الرئيس عبد العزيز بن عبد الله بن باز، نائب رئيس اللجنة عبد الرزاق عفيفي، عضو عبد الله بن غديان، عضو عبد الله بن قعود

قلت: فهذا هو فهم وتفسير أهل العلم وأئمة السنة. والمخالفون لهم في فهم هذا الحديث هم المشركون، نقولها ونصرّح بها دون أدنى تحفظ، إذ قالها وصرّح بها الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، والشيخ يقصد هنا علماء القبوريين فيا أخي! اربأ بنفسك عن مسلك أهل الشرك والخرافة! ولا تعجب وتغتر بفهمك ورأيك، فكم من رأي أُعجب به صاحبُه قاده إلى الهلاك والعياذ بالله!

 ولا تظن أنك أكثر فهما وعلما من هؤلاء العلماء الأكابر الذين نقلت لك أقوالهم، ولقد صار لسان حال بعض الطلاب تجاه الأئمة وكبار العلماء: " هم رجال ونحن رجال ". وعلامة ذلك أنك ترى الواحد من هؤلاء الطلاب يناقش ويرد ويتفلسف في الرد بكلام من عند نفسه لا ينقل عن أحد من الأئمة المعتبرين ما يؤيد به قوله، فكأنه جعل من نفسه وهو يناقش كبار العلماء بفهمه الخاص في مصاف هؤلاء الكبار، ولقد كثرت هذه الظاهرة في الشباب حتى تطالوا على أئمة السنة بغرور وتعالم عجيب!.

كتبه: عبد الحميد بن خليوي الجهني 
الخميس 7 ربيع الآخر 1438هـ

 

 الزوار: 822  

تاريخ الاضافة: 20/01/2017

جديد القسم

عبد الحميد الجهني
عبد الحميد الجهني
تنبيه لزائرى الموقع الكرام

طباعة

مواقع التواصل الاجتماعي

القائمة الرئيسية

المكتبة الـصوتية

خدمات ومعلومات

جديد الإصدارات

دروس السيرة النبوية

الدرس الثاني والعشرون : غزوة خيبر وما صاحبها من أحداث

الدرس التاسع عشر : معركة الخندق / الأحزاب

الدرس التاسع والعشرون : بعد وفاته صلى الله عليه وسلم / الدرس الأخير

الدرس الثامن والعشرون : السنة الأخيرة من حياته المباركة صلى الله عليه وسلم

الدرس الأول : مكة , وولايتُها إلى العصر النبوي

البحث

البحث في
عدد الزوار

انت الزائر :443186

محاضرات عامة

الطريق الى فهم السلف

Real Palyer استماع

قواعد فى فهم السلف

Real Palyer استماع

فهم السلف

Real Palyer استماع

الهدي النبوي في الوضوء/2

Real Palyer استماع

الهدي النبوي في الوضوء/1

Real Palyer استماع

الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ عبد الحميد الجهني

Powred by mktba 4.3

الحقوق محفوظة © ينبع/السعودية 1434 هــ